حرب غزة غيرت مسار العلاقات المصرية الأمريكية

شهدت السياسة الخارجية المصرية انتعاشة مؤخراً وصلت ذروتها خلال حرب غزة، التي أدت بالخصوص إلى تغير لافت في العلاقات المصرية الأمريكية.

إذ أدى دور القاهرة في حرب غزة إلى عكس التوجهات السابقة في العلاقات المصرية الأمريكية التي بدأت تنحو نحو الفتور بعد تولي بايدن السلطة، حسبما ورد في تقرير لمجلة Foreign Policy الأمريكية. 

ولكن نجاح جهود الوساطة المصرية في التوصل لوقف إطلاق النار، يوم 21 مايو/أيار الماضي، حقق مكاسب ضخمة للقاهرة على الصعيد الدبلوماسي، خصوصاً العلاقات المصرية الأمريكية، حيث استأنفت واشنطن تعاونها مع القاهرة على أعلى المستويات، بينما ألقى ذلك بظلاله على موقف دولة عربية كالإمارات، كانت طامحة إلى لعب دور إقليمي مؤثر من خلال تطبيعها مع إسرائيل.

وحتى قبل ذلك كانت هناك تغييرات تحيط بالسياسة المصرية في المنطقة، فلقد بدأت الحكومة التركية تسعى إلى تحسين العلاقات الثنائية التي توتَّرَت بشدة منذ الإطاحة بالرئيس المنتخب محمد مرسي في يوليو/تموز 2013، وفقاً للمجلة الأمريكية.

كما شارك الدبلوماسيون المصريون في اتفاقات الوساطة بين الأردن والعراق بهدف توسيع وتعميق التعاون بين الدول الثلاث. 

ولكن التغير الأكبر كان الدور المهم الذي اضطلع به السيسي في تأمين وقف إطلاق النار في 21 مايو/أيَّار، والذي أنهى الجولة الأخيرة من العنف بين إسرائيل وحماس في قطاع غزة. 

تحول في العلاقات المصرية الأمريكية بسبب غزة

وانخراط مصر في غزة أمر يمكن تفهُّمه. أولاً لأنَّ القطاع يقع على طول حدودها، وهو لغم محتمل يهدد استقرار المنطقة عامةً ومصر خاصةً، وثانياً يسمح هذا للإدارة المصرية بتصوير نفسها على أنها زعيمة إقليمية في قضية أساسية في الشرق الأوسط، ولا يقل أهمية عن ذلك أنَّ الوساطة تمنح الرئيس عبدالفتاح السيسي ختم الموافقة في واشنطن، وتعزز العلاقات المصرية الأمريكية، بعد أن كانت إدارة بايدن قد أعلنت اعتزامها كبح جماح الأنظمة التي تنتهك حقوق الإنسان.

وكانت اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل، والتي لعبت الإمارات فيها دور البطولة، قد أثارت تكهنات بشأن خفوت النفوذ الإقليمي لمصر، لكن محللين قالوا لرويترز إن حرب غزة الأخيرة وضعت الدول التي وقعت على اتفاقات التطبيع، وهي الإمارات والبحرين والسودان والمغرب، في موقف حرج مع تنامي التعاطف العربي مع الفلسطينيين.

العلاقات المصرية الأمريكية
الرئيس الأمريكي جو بايدن/رويترز

وأدَّى الدور البنَّاء الذي قامت به مصر خلال الصراع إلى أن يحظى “الديكتاتور المُفضَّل” للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، ليس بمكالمةٍ هاتفيةٍ واحدة من بايدن، بل بمكالمتين، حسب وصف المجلة الأمريكية.

تقول المجلة الأمريكية: “كانت المحادثات الهاتفية بين الزعيمين مفيدة. كان بايدن يتجنَّب نظيره المصري بسبب القمع الشديد الذي اجتاح البلاد منذ وصوله إلى السلطة في 2013. كان قرار عدم مكافأة الزعيم المصري بمكالمةٍ هاتفية في وقتٍ سابق جزءاً لا يتجزَّأ من تأكيد إدارة بايدن على قيم السياسة الخارجية الأمريكية المرتبطة بحقوق الإنسان”. 

ولكن عندما حانت اللحظة، انتصر الأمن والاستقرار. هذا انتصارٌ للسيسي، حيث يبدو أن القادة والدبلوماسيين المصريين سعداء بأن الحرب الأخيرة في غزة أثبتت ما كانوا يقولونه طول الوقت: مصر ذات دورٍ مركزي في الاستقرار الإقليمي، ولذلك تظلُّ شريكاً مهماً للولايات المتحدة. كان المصريون ينتظرون لتوِّهم أن يدرك الأمريكيون هذه الحقيقة مرةً أخرى. 

فهل يستمر هذا التحول؟

لكن المجلة الأمريكية تقول: “إن التاريخ يشير أيضاً إلى أنها مسألة وقتٍ فقط حتى تبدأ الولايات المتحدة في التشكيك في قيمة مصر كحليفٍ لها مرةً أخرى”. 

تستند الأفكار حول دور مصر في المنطقة إلى فكرة أن المصريين قد يكونون متعاونين بصورةٍ فريدة في الجمع بين الإسرائيليين والفلسطينيين والدول العربية الأخرى، بالإضافة إلى احتواء جولات العنف الدولية، 

ولكن المجلة الأمريكية تقول: “إن هذا لم يكن الحال دائماً. ففي أواخر التسعينيات من القرن الماضي، أغضب وزير الخارجية المصري آنذاك، عمرو موسى، الدبلوماسيين الأمريكيين حين وضع حواجز أمام تطوير العلاقات الاقتصادية بين إسرائيل والدول العربية”. 

كما لم يكن للمصريين علاقةٌ بمعاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية عام 1994، وظلوا يشاهدون من بعيد توقيع اتفاقات أبراهام الصيف الماضي. 

وخلال حرب غزة عام 2014، لم يكن المصريون طرفاً معادياً، لكنهم كانوا مع ذلك متربِّصين، وحثوا الإسرائيليين على الإطاحة حماس- وهو أمرٌ لم يكن لدى الإسرائيليين نيةٌ للقيام به، حسب Foreign Policy.

وتضيف المجلة الأمريكية: “دعونا لا ننس أن مصر لا تزال راغبةً في المشاركة في حصار غزة. إنها سياسةٌ مثالية بالنسبة للمصريين، إذ يمكنهم إبقاء حماس مُكبَّلة تماماً والتأكُّد من أن الإسرائيليين لا يحاولون إلقاء غزة مرةً أخرى في أحضانهم. وطوال الوقت كانت مصر تقف جانباً بينما الحكومات الأوروبية والأمم المتحدة والنشطاء يزدرون الإسرائيليين بسبب الفقر واليأس الذي يضطر سكَّان غزة للعيش في ظلِّه”. 

أتاح الصراع الأخير بين إسرائيل وحماس في غزة فرصةً لمصر. في وقت يعاني فيه بايدن، الذي أبدى القليل من الاهتمام بعملية السلام والقضايا المتعلِّقة بها، من مشكلةٍ الآن. 

بعد 11 يوماً من الهجمات الإسرائيلية وصواريخ حماس، يريد التقدميون في الحزب الديمقراطي وغيرهم من بايدن أن يمارس ضغطاً على الإسرائيليين وأن يعطي أولوية أكبر للصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين. 

وحتى الآن، امتنع بايدن عن معاقبة إسرائيل أو الخوض في الرمال المتحرِّكة، بأن يوجِّه مفاوضات السلام لصالح سياسةٍ تهدف إلى إعادة الإعمار والمساعدات وتحسين الحياة لسكَّان غزة. وهذا هو المسعى الذي خاض فيه المصريون للبناء على العمل الذي قاموا به خلال وقف إطلاق النار الشهر الماضي، مايو/أيَّار. 

تقول المجلة الأمريكية: مِمَّا أثار استغراب الجميع تقريباً في واشنطن كان إعلان السيسي التبرُّع بـ500 مليون دولار لإعادة إعمار غزة- رغم أن هذا الرقم لا يمثِّل الأموال الفعلية لغزة، ولكن لشركات البناء المصرية التي تقوم بهذا العمل. 

أرسل السيسي على الفور كتيبةً من الجرَّافات والمعدَّات الأخرى التي ترفع العلم المصري عبر الحدود إلى غزة. وهناك مقطع فيديو على منصة يوتيوب، التُقِطَ بطائرةٍ مُسيَّرة، يصوِّر مقطوراتٍ جرَّارة مُزيَّنة بشعار الرئيس المصري “تحيا مصر” على امتداد أميال، وكانت جاهزةً للدخول إلى قطاع غزة. 

تعلق المجلة الأمريكية: “ليقل أيُّ شخصٍ ما يريد بشأن روح الرغبة في الظهور لدى السيسي، لكن  الرغبة الكبيرة التي أظهرتها القاهرة في تقديم المساعدة إلى غزة تساعد بايدن. 

فبالتأكيد للمصريين مصلحةٌ في غزة، وليس هناك من شكٍّ في أن الشركات المصرية ستستفيد من تداعيات الصراع. لكن حقيقة أن السيسي قال “نحن هنا للمساعدة”، تعني أن إدارة بايدن قد تغيِّر فحوى العلاقات الثنائية. سيجعل هذا من الصعب مهاجمة المصريين لسجلهم في حقوق الإنسان، مع أن الدبلوماسيين يلمحون إلى أنه يجمع بين هذا وذلك؛ أي التعاون مع القاهرة وانتقاد سجلها الحقوقي”. 

الدور على ليبيا

وترى المجلة الأمريكية أنه بعد اللحظة الحالية في غزة، ليس لدى المصريين الكثير ليقدموه. 

غير أنهم إذا تمكَّنوا من التفوُّق على تركيا في ليبيا، فسوف تكون مصر هي المهيمن هناك، لكن من غير الواضح ما إذا كان هذا يمثِّل ميزةً إضافية للولايات المتحدة.

قد يكون الأمر كذلك بالفعل إذا كانت واشنطن مهتمةً بإمكانية الاستقرار في ليبيا، لكن هذا غير مؤكَّد.

وبالتالي لا يعرف إلى أي مدى ستؤثر التطورات في الأزمة الليبية على العلاقات المصرية الأمريكية، خاصة أن موقف القاهرة أقرب لروسيا، بينما موقف تركيا أقرب للمصالح الغربية.

وحتى الآن يفترض أن القاهرة وأنقرة ملتزمتان بالتهدئة في ليبيا، رغم أن تصرفات حفتر الأخيرة قد توحي بغير ذلك، وتثير تساؤلات حول احتمالات انتكاس عملية التسوية السياسة بسببه، ولكن تجربة التدخل التركي بدعم حكومة الوفاق لفك حصار طرابلس تثبت قدرة أنقرة على كبح جماح حفتر لو تطلب الأمر، ولقد جدد وزير الدفاع التركي خلوصي أكار التذكير بجرائمه مؤخراً.



*****************************
شكرا لكم لمتابعتنا ونعدكم دائما بتقديم كل ما هو افضل .. ونقل الاخبار من كافة المصادر الاخبارية وتسهيل قراءتها لكم. لا تنسوا عمل لايك لصفحتنا على الفيسبوك ومتابعة آخر الاخبار على تويتر. مع تحيات اسرة;
موقع مصر الجديدة الإخباري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

67 − = 63