مصر الجديدة ـ مصطفى السعيد يكتب: كابوس غزة يخيم على الإنتخابات الإسرائيلية
مصطفى السعيد

مصطفى السعيد يكتب: التخبط الأمريكي يرعب العالم

لم يكن غريبا أن تضطر بريطانيا للإفراج عن ناقلة النفط الإيرانية التي احتجزتها قبل شهر، رغم مطالبة الولايات المتحدة رسميا باستمرار احتجازها، فليس أمام بريطانيا خطة أمريكية واضحة بشأن الخطوة التالية، فلا يمكن ترك إيران تحتجز ناقلة بريطانية مقابل الناقلة الإيرانية، وعليها إما اتخاذ خطوات بالتصعيد العسكري مع إيران، أو تطلق سراح الناقلة الإيرانية مقابل الناقلة البريطانية، فالولايات المتحدة جربت كل العقوبات، وليس لديها خطة عسكرية تجبر إيران على إطلاق الناقلة البريطانية، والحديث عن تشكيل تحالف عسكري دولي لتأمين الملاحة في الخليج لم يحقق أي خطوة، فلم تعلن سوى بريطانيا عن انضمامها للولايات المتحدة، أما الإعلان الإسرائيلي باعتزام الإنضمام إلى التحالف الدولي فقد زاد الأمر تعقيدا وخطورة، ولهذا تعثرت المبادرة الأمريكية، وجاءت بنتائج عكسية، فالفشل الأمريكي في تشكيل تحالف دولي له دلالات على ضعف الدور الأمريكي واهتزاز ثقة الحلفاء، وهو ما جعل بريطانيا المرتبطة بأوثق درجات التحالف مع الولايات المتحدة ترفض الطلب الأمريكي باستمرار احتجاز ناقلة النفط الإيرانية.

نموذج آخر على مدى عشوائية القرار الأمريكي وارتجاله، وهو ما جاء في تدوينة الرئيس ترامب الموجهة لرئيس الصين، ويعرض فيه تدخل الولايات المتحدة لاحتواء المظاهرات في هونج كونج، وأن يعقد الرئيسان لقاء يهدف إلى توقيع اتفاقية تجارية جديدة، وتضمنت هذه التغريدة القصيرة جملة من الأخطاء الجسيمة، فهي تعد اعترافا واضحا بأن للولايات المتحدة دور في إثارة الإضطرابات في هونج كونج، وأنها ابتزاز صريح للصين لا يمكن إلا أن يجعلها أكثر عنادا ورغبة في الثأر، ثم الخلط بين أحداث هونج كونج واتفاقية تجارية يدرسها مختصون من الجانبين، وليس مجرد مقايضة تفتقر إلى أي نوع من الدراسة.

نموذج ثالث للتخبط يتمثل في التراجع السريع عن القرار الأمريكي بفرض رسوم جمركية على واردات صينية قيمتها 300 مليار دولار بنسبة 10%، بدءا من مطلع الشهر المقبل، وجاء قرار التأجيل بعد أقل من أسبوع، والسبب المعلن هو أن السوق الأمريكي سوف يصاب بالإرتباك ويتأثر المستهلكون، ولهذا تقرر تأجيله إلى ما بعد احتفالات الكريسماس، حتى يتمكن المستهلك الأمريكي من شراء احتياجاته من السلع الصينية الرخيصة في الأعياد. لا يمكن أن نتصور هذه الصيغة من القرارات تصدر من بلد مثل الولايات المتحدة، بما فيها من خبراء ومراكز دراسات وبحوث ومخابرات ومؤسسات من كل نوع وتخصص، فما هكذا تتصرف الدول العظمى ولا حتى دول العالم الثالث.

النموذج الأغرب والأكثر خطورة هو تهديد الرئيس ترامب بالخروج من منظمة التجارة العالمية، وهذا قرار جلل، فالولايات المتحدة هي من خطط وأعد إتفاقية التجارة العالمية الحرة المعروفة باسم “الجات” بالإشتراك مع صندوق النقد والبنك الدوليين، وضغطوا على دول العالم للإنضمام إليها، بوصفها الأداة الأهم في تنظيم التجارة العالمية بما يضمن ويديم الهيمنة الأمريكية، ثم تحولت الإتفاقية إلى مؤسسة دولية، تمثل مبادئ الرأسمالية العالمية في زمن العولمة، ثم يأتي رئيس أمريكي يهدد بالإنسحاب من منظمة أنشأتها بلاده، وتعتبرها قدس أقداس الرأسمالية وأحد أهم أيقوناتها، ثم يقول الرئيس ترامب إن المنظمة منحازة للصين على حساب المصالح الأمريكية، بينما الحقيقة أن الصين انضمت للمنظمة عام 2001 وتحمل رقم 143 في العضوية، بينما الولايات المتحدة هي الدولة الأولى والمؤسسة لمنظمة التجارة العالمية مع حلفائها، وهي من وضع المواثيق والمبادئ، ولهذا لا يمكن اتهام المنظمة بالتحيز إلى الصين أو التحامل على الولايات المتحدة، وكل ما في الأمر أن الصين تمكنت من النمو بمعدل أسرع، وحققت قفزات أكبر مما حققته الولايات المتحدة، ويجب مجابهة الوقائع وليس تحريفها، حتى يمكن التوصل إلى حل حقيقي للأزمات، فالتشخيص الخاطئ للمرض لا يمكن إلا أن يفاقمه بدلا من معالجته.

المتابع للقرارات الأمريكية يلاحظ أنها لا تعتمد على معلومات دقيقة، ويغلب عليها الإرتجال، وتشير الصحافة الأمريكية إلى أسلوب الرئيس ترامب الذي لا يحب قراءة التقارير ولا الإستماع إلى المختصين، فهو يضيق بالنقاشات المتعمقة والطويلة، ويميل إلى الإنفراد باتخاذ القرارات، ولا يحب الإستماع إلى معارضيه، لكنه كان مضطرا إلى الإستماع لقادة البنتاجون عند اتخاذه قرار توجيه ضربة عسكرية لإيران، ردا على إسقاطها طائرة التجسس الأمريكية، ووجم الرئيس عندما سأله قادة البنتاجون “ماذا لو ردت إيران ووجهت ضربة لسفننا أو قواعدنا؟ هل سنعلن الحرب؟” اتضح أن الرئيس الأمريكي لم يفكر في مثل هذا الإحتمال، وليس لديه إجابة عليه، ولهذا تقرر التراجع عن توجيه ضربة عسكرية لإيران، ليس لأنها كانت ستوقع أكثر من 150 ضحية مثلما قال الرئيس ترامب، وإنما لأن الرئيس ليس لديه خطة للمواجهة.

من المؤكد أن صناعة القرار في الولايات المتحدة تواجه خللا جسيما، فالرئيس ليس متوافقا مع إدارته، وهناك تغييرات كبيرة وسريعة، وآلية صدور القرار تعني غياب في المعلومات والدراسات الدقيقة، وهذا لا يشكل خطورة على الولايات المتحدة وحدها، فهذ الدولة العملاقة التي لديها أكثر من 800 قاعدة عسكرية وسبعة أساطيل ونفقاتها العسكري تشكل نصف إنفاق باقي دول العالم تقريبا لا يمكن أن تدار بهذا الشكل، سواء فيما يتعلق بالقرارات العسكرية أو الإقتصادية، فمن شأن أي قرار خاطئ أن يسبب كوارث لا يمكن تداركها.

*****************************
شكرا لكم لمتابعتنا ونعدكم دائما بتقديم كل ما هو افضل .. ونقل الاخبار من كافة المصادر الاخبارية وتسهيل قراءتها لكم. لا تنسوا عمل لايك لصفحتنا على الفيسبوك ومتابعة آخر الاخبار على تويتر. مع تحيات اسرة;
موقع مصر الجديدة الإخباري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

41 − = 34