شركة مونسانتو المتخصّصة في مجال التكنولوجيا الحيويّة الزراعيّة والمنتج الأول بالعالم لمبيد الحشائش جلايفوست تحت اسم راوند آب

مصر ومونسانتو.. الاستحواذ على الزراعة المصرية

يبدأ الفيلم الوثائقي «العالم وفقا لمونسانتو» بمشهدين افتتاحيين:

الأول: يظهر فلاحا فرنسيا يقرأ على إحدى عبوتين من «راوند أب» -المبيد المعدل وراثيا الذي تنتجه الشركة الأمريكية- أنه يتحلل عضويا في التربة، ولا يجد نفس العبارة على الثانية، ثم يكشف الفيلم السبب، وهو أن الشركة كانت تقوم بدعاية مضللة حول منتجها قبل أن يبطلها حكم محكمة، ويمنع كتابة هذه العبارة على العبوات.


أما المشهد الثاني: فهو لنائب اتحاد منتجي الذرة الأمريكي وسط حقوله الخاصة، وهو يؤكد ارتفاع محصوله منها بعد استخدام بذور ومبيدات مونسانتو، ويدعو الأوروبيين للتخفف من قلقهم بشأنه، واستخدامه في مزارعهم.


والحقيقة أن الشركة منذ أن وصلت لصفقة مع الإدارة الأمريكية -في عهد جورج بوش الأب- سمحت لها بالتوسع في إنتاج وزراعة المحاصيل المعدلة وراثيا، تعمل بدأب لا يكل على فتح أسواق جديدة لمنتجاتها في الخارج، لتحتكر السوق العالمية تقريبا.


تكنولوجيا الهندسة الوراثية

وفي مصر قال أبو القمح عبد السلام جمعة لبرنامج بلا حدود إن امتلاك تكنولوجيا الهندسة الوراثية ضرورة لمواجهة هذه التطورات.


وأضاف نقيب الزراعيين بالنص -ردا على سؤال المذيع أحمد منصور حول السماح للشركة في 2008 بزراعة الذرة تجاريا: «مونسانتو ما دخلتش مصر، فاين سيدس ما دخلتش مصر»، نافيا أن يكون للهندسة الوراثية وجود في «أي من المحاصيل الإستراتيجية» المزروعة في البلاد.


والحقيقة أن تاريخ مصر مع الهندسة الوراثية قديم ويعود لأكثر من عشرين عاما، كاشفا اهتماما مبكرا بها كإحدى أكبر الكتل السكانية المستهلكة للحبوب في العالم.


التدخل الأمريكي


وقد تأسس معهد بحوث الهندسة الوراثية الزراعية تحت مظلة مركز البحوث الزراعية التابع لوزارة الزراعة في عام 1990، وكان تأسيس المعهد -الذي سجل على مدى السنوات حق الملكية الفكرية- على عدد من البذور المهجنة، بتمويل ودعم من البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، ثم عمل بتعاون وثيق مع هيئة المعونة الأمريكية، التي مولت برامج متعددة للمركز، وبتنسيق تكنولوجي قريب مع مونسانتو وعدد من الجامعات الأمريكية، على رأسها جامعة وايومنج.

ويكشف التقرير السنوي لمشروع مساندة التكنولوجيا الحيوية في الزراعة الأمريكي، الذي يقيم برامج المعونة في هذا المجال، عن دراسة قامت بها كلية هاس للأعمال بجامعة كاليفورنيا في بيركلي في 2001 حول تحسين الأشكال التنظيمية لمعهد الهندسة الوراثية المصري عبر «خطة تسويق إستراتيجية»، وتقديم توصيات لتعديلات إدارية بالمعهد، تنفيذا لعقد مع الحكومة الأمريكية.

ويقول التقرير الصادر بعد 12 عاما من تأسيس المعهد، القائم على وجود جسدي لعدد من أساتذته، ولقاءات وتقييم لجهازه الإداري، إن «آثار أبحاث وتقارير كلية هاس للأعمال هي أن فريق الإدارة بالمعهد المصري قيموا خطة تجديد الدماء في ضوء خلافة د. هانيا الإتربي رئيسة للمعهد وإن د. مجدي مدكور الرئيس السابق بقي في صفوف الإدارة العليا لكي تبقى معرفته وخبراته لتلعب دورا في الإشراف على أبحاثه وتطويره«.

ويعطينا هذا صورة حول درجة تدخل ونوعية الدور الذي تلعبه المعونة والجامعات الأمريكية المنحازة لتقنية الهندسة الوراثية، التي تحتكرها شركة واحدة هي مونسانتو.

أما مونسانتو فقد ظلت منذ 1992 عبر ما يسمى ببرنامج التكنولوجيا الحيوية الزراعية للاستدامة والإنتاجية الأمريكي ABSP تعمل بشكل لصيق مع باحثين مصريين في تطوير أصناف معدلة وراثيا من البطاطس والكوسة والذرة بل والقمح والقطن.

وبعد 17 عاما من التعاون يصف تقرير لوزارة الزراعة الأمريكية (صادر في منتصف يوليو 2009) عن التكنولوجيا الحيوية في مصر بلادنا بأنها «تستهلك كميات كبيرة من المنتجات المعدلة وراثيا كالذرة وفول الصويا»، و«أن مصر تقود الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في تطوير الهندسة الوراثية للمحاصيل وفي قبولها».

يشار هنا إلى رفض إفريقيا -وقت مجاعة 2002- قبول مساعدات الطوارئ الأمريكية بسبب أنها معدلة وراثيا، وقتها قال الرئيس الزامبي، ليفي مواناواسا، «كون الناس جوعى لا يبرر إعطاءهم السم».

ويستطرد تقرير الزراعة الأمريكية قائلا إن “وزارة الزراعة المصرية تؤيد بشدة الهندسة الوراثية.. مصر مستهلك كبير لهذه المنتجات كالذرة وفول الصويا والزيوت الغذائية المستوردة من الولايات المتحدة والأرجنتين، وتستمر الحكومة في اتباع سياسة تسمح باستيراد هذه المنتجات ما دام أنه يتم استهلاكها في بلادها”.

ولو نظرنا إلى كيفية إقرار هيئة الأغذية الأمريكية مثلا لهذه المنتجات، نجد أنها اتبعت منذ أوائل التسعينيات مبدأ يسمى substantial equivalence ؛ وهو ما يعني ببساطة أنه يتم تقييم هذه المنتجات بنفس معايير المنتجات المنتجة بشكل طبيعي، وهو ما يتجاهل الآثار الطويلة المدى للتعديل الجيني فيها، والذي تكشف دراسات مستقلة احتمالات سوداء لها.

يعني هذا أنه لا توجد في أمريكا ذاتها؛ بسبب التداخل الهائل بين مونسانتو ومسئولي الرقابة والسلطة التنفيذية هناك، اختبارات خاصة بهذه المنتجات التي تتلاعب بجينات المحاصيل لتغيير خصائصها، فليس كل ما تفعله أمريكا خيرا إذا لم نأخذ به نصبح متخلفين إذن.

وفي مصر اتبعت لجنة الأمان الحيوي بوزارة الزراعة نفس المبدأ في التصريح عام 2008 بزراعة ذرة معدلة وراثيا بجين من مونسانتو وبذور مستوردة من جنوب إفريقيا تحت اسم مون 810. ويقول رئيس الشركة المصرية الخاصة المتعاونة مع مونسانتو فاين سيدس، عادل ياسين، قبل ثلاث سنوات لمجلة بزنس توداي إيجيبت، وقبل إقرار الذرة للزراعة التجارية، إن الخلاف حول المنتجات المهندسة وراثيا سياسي بسبب أن أوروبا ترغب في تحجيم نفوذ الشركات الأمريكية التي تحتكرها.

ووفقا لتقرير الزراعة الأمريكية، كانت بذور الذرة التي زرعت في مصر هي الأولى من نوعها التي يتم إقرارها، وأن زراعته بدأت في أبريل 2007 بعد سماح السلطات باستيراد 28 طنا من البذور، قبل أن توقف الاستيراد العام الماضي لحين إصدار قانون الأمان الحيوي، الذي من المفترض أن ينظم الرقابة عليها، «لكن الحكومة سمحت للشركة بزراعة البذور التي أنتجت محليا بعد المحصول الأول في المناطق المستصلحة حديثا»، وفقا للتقرير الذي يضيف أن شركة خاصة أخرى قدمت طلبا للجنة الأمان الحيوي بنفس الشأن.

أما المحصول، الذي يعطيه التقرير الأمريكي تصنيف المرشح الأول للتسويق التجاري في مصر، فهو القطن، ويبدو أنه وجد طريقه للأرض المصرية بالفعل عبر تنويعة من منتجات مونسانتو BT Cotton. ، وميزة القطن هنا أنه لن يؤذي الصادرات المصرية لأوروبا؛ إذ يقتصر حظرها للمنتجات المعدلة وراثيا على ما يؤكل، أما ما يلبس من خيوط ومنسوجات فلا.

ملكية فكرية

في الصين خلقت الدولة نموا للقطاع الخاص عبر خصخصة مصانع الدولة وشركاتها بإستراتيجية اسمها الإستراتيجية زيرو؛ وهي أن تقوم الدولة بالتوقف تماما عن التدخل استثماريا لمنع أداء شركاتها إلى أن تفلس، وحينها يصبح بيعها للقطاع الخاص مبررا، ويشبه هذا كثيرا الدفع المتكرر بالهندسة الوراثية في لحظة تضربنا فيها السوق العالمية كل حين في طعامنا اليومي، وفي ملبسنا الذي كنا نفاخر به العالم، وتصبح الهندسة الوراثية الحل السحري للاكتفاء الذاتي من المأكل والملبس.

المشكلة في هذا الحل السحري أنه وهمي، فمونسانتو لها حقوق ملكية فكرية على بذورها وجيناتها، وبالتالي فإن حق الفلاح على مدى آلاف السنين في إعادة زراعة أرضه ببذور من محصوله ينتهي هنا، وعليه التخلص منها، وهناك شرطة مختصة للشركة تتأكد من ذلك في أمريكا.

والأكثر من ذلك أنه لا يستطيع العودة للمحصول الأصلي؛ لأن الجينات الجديدة تصيب المحصول التقليدي بالتلاقح فيصبح معدلا بجينات مونسانتو؛ أي إنه حتى القطن المصري العادي يصبح قطن مونسانتو، وتصوروا معي أي قوة ونفوذ ستملكها الشركات المنتجة بذلك على الزراعة والفلاحين.

في الفيلم الوثائقي، الذي كتبته وأعدته ونفذته الصحفية الفرنسية مارى -مونيك روبان- تقارن الناشطة الهندية الفائزة بجائزة نوبل البديلة، فاندانا شيفا، بين الثورة الخضراء في الستينيات والثورة الخضراء الثانية «ثورة مونسانتو» قائلة إن الأخيرة «لا علاقة لها على الإطلاق بحل مشكلة الجوع، هي فقط تهدف لزيادة عوائد مونسانتو وأرباحها، وهذا أهم شيء».

فهل نسمح لهم بأكبر عملية استحواذ في تاريخ مصر؟

*****************************
شكرا لكم لمتابعتنا ونعدكم دائما بتقديم كل ما هو افضل .. ونقل الاخبار من كافة المصادر الاخبارية وتسهيل قراءتها لكم. لا تنسوا عمل لايك لصفحتنا على الفيسبوك ومتابعة آخر الاخبار على تويتر. مع تحيات اسرة;
موقع مصر الجديدة الإخباري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*