الدكتور حازم حسني، استاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة

د.حازم حسني يكتب: منطق عبد الناصر ومنطق السيسي

فى مداخلة تليفزيونية على فضائية “بى بى سى العربية” قبل أسبوع، كنت قد ذكرت أن عبد الناصر – الذى كان يخوض معارك وحروباً حقيقية – لم يطلب من المصريين يوماً أن يمتنعوا عن الأكل، أو أن يكتفوا بوجبة واحدة، كما يطالبهم السيسى دوماً بغير ملل وبغير حياء ! … ما قلته فى مداخلتى عن عبد الناصر هو حقيقة تاريخية، لكنها حقيقة لم تعجب البعض ممن يحلو لهم إلصاق كل نقيصة نعيشها بالرجل الذى تركنا منذ نحو نصف قرن مضى ! … يستدعى هذا البعض مقطعاً قديماً من خطاب لعبد الناصر، بعد أن انتزعوه من سياقه، يطالب فيه الرجل المصريين بالتنازل عن بعض الكماليات من أجل بناء الوطن، كى يلومونى على سقطتى تلك التى وقعت فيها بإنكارى ما لا يمكن إنكاره، على حد تعبيرهم، أو ما اعتبروه هم سقطة يرونها قد أفسدت المنطق الذى بنيت عليه حديثى !

بداية، لست من دراويش الناصرية، ولا أنا أبرئ عبد الناصر من كثير من الأخطاء – بل والخطايا – التى وقع فيها، فهى أخطاء وخطايا ظاهرة للجميع، خاصة لمن هم من جيلى الذى عاش عصر عبد الناصر بكل ما له وبكل ما عليه … لكننى فى المقابل لست من الموتورين الذين لا يرون فى عبد الناصر إلا أخطاءه وخطاياه، فيحملونه بكل أخطاء وخطايا من جاءوا بعده، أو بكل أخطاء وخطايا مسؤول عنها الظرف التاريخى الذى مرت أو تمر به مصر، ومر أو يمر به المصريون، لمجرد الرغبة المحمومة فى تشويه التاريخ وتزييف الوعى لخدمة أهداف أنظمة أو دعم خطاب دعوى لجماعات بعينها !

الحقيقة هى فى موقع آخر غير ذلك الذى يدافع عنه دراويش الناصرية، وغير ذلك الذى يقذفه الموتورون بالمنجنيق … ودعونا نركز على ما يدعيه البعض من أن عبد الناصر قد طالب المصريين بالجوع من أجل بناء الدولة، ومن ثم الادعاء بأن السيسى لم يرتكب جرماً لم يرتكبه عبد الناصر من قبل !

الحقيقة التى عاشها جيلى هى أن كل احتياجات المصريين الغذائية كانت متوفرة فى الأسواق وبأسعار مناسبة … ربما لم تكن بمستوى الجودة العالى، لكنها كانت متوفرة ! … الشئ الذى لم يكن متوفراً، وهذه حقيقة لا أنكرها، هو السلع المستوردة، لكن الفول والعدس والقمح والأرز لم تكن من الحاصلات المستوردة كما هو حالها الآن؛ ولم يحدث إطلاقاً أن طالب عبد الناصر الشعب المصرى بأن يجوع، ولا بأن يكتفى بوجبة واحدة، ولا هو ادعى يوماً أن الإنسان يمكنه أن يعيش عشر سنوات دون أن توجد فى ثلاجته إلا زجاجة مياه ! … ما كان يطلبه عبد الناصر من المصريين هو أن يوفروا فى استهلاكهم، وأن يزيدوا من مدخراتهم بما يسمح بزيادة الاستثمار، فقد كان الرجل يعمل بمنطق أن الادخار=الاستثمار وهو يختلف بالطبع عن منطق الاستثمار بإغراق الدولة فى الديون الخارجية والداخلية الذى يعمل به السيسى ونظامه !

كان عبد الناصر يخوض فى هذا الوقت معركتين حقيقيتين، إحداهما هى معركة التنمية الاقتصادية وتحقيق العدالة الاجتماعية، والثانية هى معركة بالمعنى الحرفى للمعارك الحربية التى تتطلب الإنفاق على بناء جيش قوى وقادر؛ وفى تقديرى – وتقدير كثيرين – أن الرجل قد حقق نجاحات مذهلة فى معركة التنمية الاقتصادية وتحقيق العدالة الاجتماعية، لكنها نجاحات أجهضها فساد النظام الإدارى الذى قام عبد الناصر بتأسيسه، فضلاً عن فساد نظامه السياسى، وفى هذا حديث يطول … أما معاركه وحروبه على جبهة القتال فقد حقق عبد الناصر نجاحاً فى بناء جيش قوى، لكنه نجاح أجهضه هو نفسه بسبب فساد نظام اختياره لقيادات الجيش التى أجهزت على مشروعه كله !

كان عبد الناصر يخوض إذن معارك وحروباً حقيقية لا يمكن أن نقارنها بما يخوضه السيسى من معارك وهمية، ومن حروب يوهمنا بأنها تتطلب منا التضحية بجيل أو جيلين من المصريين وصولاً للاكتفاء بوجبة واحدة أو لألا نأكل على الإطلاق !

عودة لذلك الجزء من خطاب عبد الناصر الذى يتداوله الكثيرون باعتباره يدين الرجل، ويلصق به تهمة تجويع المصريين، فإن مراجعة نزيهة لهذا المقطع تبين كيف أن الرجل لم يطالب المصريين بالإقلال من عدد وجباتهم، وإنما كان يطلب منهم فقط الإقلال من الاستهلاك، وخاصة استهلاك السلع الترفية والمستوردة … علينا ألا نتجاهل أن خطاب عبد الناصر هذا كان موجهاً للشعب فى وقت كانت تتعرض فيه مصر لحصار اقتصادى، وهى حالة لا تنطبق إطلاقاً على مصر فى عهد السيسى، ولا هى كانت تنطبق على عهد مرسى، ولا عهد مبارك، ولا عهد السادات ! … لم يطالب عبد الناصر المصريين بالامتناع عن الأكل، وإنما فقط بتقليل استهلاكهم من الشاى والبن – وهما سلعتان كماليتان مستوردتان – والاكتفاء بأكل اللحوم ثلاث مرات أسبوعياً بدلاً من أربع مرات !! … قولوا لى بالله عليكم كم مرة صار يأكل فيها السواد الأعظم من المصريين اللحوم فى الشهر، ولا أقول فى الأسبوع؟!! وهل هناك أية علاقة بين منطق العوز الذى يبنى عليه السيسى سياساته وبين منطق عبد الناصر الذى كان يستهدف تقليل الاستهلاك لزيادة المدخرات ومن ثم زيادة الاستثمار؟!

كان مشروع النهضة المصرية وقت عبد الناصر مشروعاً حقيقياً إذا نحن رُمنا الإنصاف، لكنه كان مشروعاً ناقصاً أفسده نظام سياسى ونظام إدارى فاسدان حتى النخاع، وكان من الطبيعى أن ينهار المشروع بسبب هذا الفساد الذى نعانى منه، ومما أضيف إليه فى عهد السادات وعهد مبارك من فساد مضاعف، وهذا تحديداً هو ما يجب أن نعالجه، لا أن نهيل التراب على كل ما يمت لعبد الناصر بصلة بالربط التعسفى بين منطق السيسى الذى يريد منا الاكتفاء بالماء وبين منطق عبد الناصر الذى أراد من المصريين أن يأكلوا اللحوم ثلاث مرات فى الأسبوع بدلاً من أربعة !! … مرة أخرى، هل تعتقدون أن دعوة المصريين لتناول اللحوم ثلاث مرات فى الأسبوع هو مما يمكن أن يوصف بالإفقار أو بكونه يؤسس لأمة العوز؟!!

 

نقلا عن الصفحة الرسمية للدكتور حازم حسني أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك

*****************************
شكرا لكم لمتابعتنا ونعدكم دائما بتقديم كل ما هو افضل .. ونقل الاخبار من كافة المصادر الاخبارية وتسهيل قراءتها لكم. لا تنسوا عمل لايك لصفحتنا على الفيسبوك ومتابعة آخر الاخبار على تويتر. مع تحيات اسرة;
موقع مصر الجديدة الإخباري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*