تشتت وإرهاق وعشوائية.. كيف يقتلنا قلقنا بشأن المستقبل؟

تتقلب الحياة، تتغير وتتبدل في الثانية الواحدة ألف مرة بين كل احتمالاتها اللامتناهية، ونتقلب معها، نبدأ مُضغات في الأرحام، وسرعان ما نركل البطون ونلقي رؤوسنا أرضاً، وبعدها تهب الحياة فجأة فتضربنا عواصفها بين مراحل أعمارنا المعروفة في بني البشر، ترمي بك أرضاً مرة وتتلقفك فوق غمد سحبها مرة، وبين المرة والأخرى لا تكاد تزفر شهيقك.

يبدأ الطفل منا في رسم أحلامه، بعضنا يرسم بيتاً مع عائلته، وبعضنا يرسم حديقة وطائرات ورقية نسحبها وتسحبنا، نكبر ويسألوننا “نفسك تطلع إيه لما تكبر يا حبيبي؟”، فيجيب أحدنا: “أريد أن أكون مدرساً أو رساماً”، فيجيبون: “لماذا لا تكون مهندساً أو طبيباً؟” هنا تماماً تبدأ صناعة القوالب.

هل تساءلت يوماً ما الفارق بين قطع اللؤلؤ المشكلة والمستخرجة حالاً من قاع المحيط؟ هو كما تفكر، تلك انصهرت تحت ضغط وحرارة ووُضعت داخل القوالب لتتشكل فأصبحت كجميع القطع، وهذه منفردة بذاتها، تستطيع تمييزها بعينك المجردة أنها على سجيتها، بينما تلك ستبذل جهداً لتعرف إن كانت لؤلؤاً أصلاً أم لا.

تكبر وتدخل الجامعة، ويبدأ الأساتذة يفتحون لك الأفق وتأخذهم العزة فيحاولون فتح الغيب أيضاً ويسألونك عن خطط مستقبلك، ماذا ستفعل بعد مدة معينة من الزمن؟ ما خطتك لتصل لهذا؟، كيف ستعمل على هذه الخطة؟ وإلا يتهمونك بأنك إنسان غير طموح لا تحب السعي وغير مصرٍّ على الوصول.

ثم بعد هذا يأتي السؤال الأهم “إلى أين ستصل؟”، ويذكر أحدنا أنه يريد تأسيس شركة، ويذكر الآخر أنه يريد قطعة أرض صغيرة خضراء منعزلة وكوخاً بسيطاً يقضي فيه حياته وهو يعمل ما يكفيه وأهله ليضمن لهم احتياجاتهم، فيقابل الأول بالتصفيق، ويقابل الثاني بنظرات الاستخفاف، ويبدأ الأول بمحاولات الحفاظ على التصفيق، والثاني يتساءل: أين الخطأ؟، ويعلق ذهن الاثنين بالمستقبل وينسيان اليوم.. ولكن لا يا ولدي، الغيوب لا تتكشف؛ لكي ترى الغد عليك أن تجتاز اليوم أولاً.

لن أقول لك إن الغد بسيط لدرجة ألّا تفكر به، بل سأقول إنه بسيط لدرجة أنك لن تلمحه أبداً، فبكل بساطة غد الأمس هو اليوم، وجاء اليوم وأنت تفكر في الغد، فتقع يا عزيزي في طريقين لا ثالث لهما، إما أن تنحصر في خانة التخطيط والترتيب ويمضي العمر وأنت غارق تفكيراً دون أن ترى كيف مضى ومتى، وإما أن تفكر وتنفذ، ولكنك لا ترى ما أنجزت أبداً؛ فتركض طيلة عمرك دون النظر للخلف، دون أن تقف لمرة وتتمتع بالوصول، وتقضي طيلة عمرك مغترباً في أرض لا تناسبك مهما فعلت، أو بحاراً في محيط لا شاطئ له، وهذا جل ما يرجوه الشيطان منا؛ أن نجحد فضل الله علينا، فمهما رزقنا لا نرضى ولا نحمد ونزداد غروراً وثقة من دون الله.

سرقوك يا ولدي؛ سرقوا منك حاضرك لتصل إلى ما يسمى بالغد الأفضل، ولكن لم يخبروك أن عمرك كله يكون في حاضرك. أرهقونا بالحديث عن الغد، خطّط، فكّر، انظر إلى هذا، افعل، انجح، ولم يخبرونا عن اليوم. بنوا عالماً يشجع طمع الإنسان في النجاح المبهر فيعيش يخطط ويفكر للغد، واليوم ضائع.

قالوا لك سننمي بشريتك، عرضوا عليك نماذج وفقتها ظروفها لتصل مبتغاها مبكراً، هذا اشترى سيارة في العشرين، وذاك تزوج وأنجب، وهذا سافر، وهذا سجل درجات عالية، ولم يخبروك أنك لست مثلهم، لم يخبروك أنه ليس عليك أن تكون قالباً، لم يخبروك أنه من الجميل جداً جداً أن تكون عادياً، كموظف يذهب للمصلحة الحكومية ويعود بعد الظهر يجتمع بأسرته يذهب للمقهى ويدفع الإيجار ويسدد نفقات المرافق العامة، لم يخبروك أنه ليس عليك أن تلفت الأنظار لتصنع شيئاً جميلاً، قد تتصدق في الخفاء صدقة ينظر الله لها نظرة رضا، وقد تربّت على رأس طفل أو قطة فيشعران بالأمان بفضلك.

أنت لست قالباً، الخط الزمني لعمرك لا يجب أن يمر مثل أحد إلا مثلما تحب أنت، نحن لا نتسابق هنا، كل منا له وجهة، إن أردت تزوَّج في العشرين أو في الخمسين أو لا تتزوج حتى، إن أحببت فسيارة صغيرة عادية أو أحدث الإصدارات وأفخم العلامات التجارية، دراجة أو دراجة نارية، هي حياتك أنت، ستعيشها أنت مرة واحدة فقط، عش كل لحظة في يومك يا عزيزي، فكر في الغد ولكن لا تنسَ أن تستقبله في نهاية اليوم فقط، احلم بأكثر الأشياء التي تحبها إن كنت تحب صناعة الأحداث أو تحب العمل في صمت، هذا أو ذاك لا يعيبك أبداً. إن اللحظة التي تفنيها في أشياء لا تشغف قلبك حينما تنتهي، تكون لحظة ضائعة من عمرك، وعبارة عن شاشة سوداء يمكن اقتصاصها من مقطع فيديو ولن تؤثر في المعنى العام له.

اهدأ، ابحث عن ذاتك، قبل أن تفكر ماذا ستفعل فكر واعلم من أنت حقاً، تحدث مع نفسك، اسمع صوتك الداخلي، اعترف لنفسك بالأخطاء دون كبر، اكتشف ما يثير حماسك، تحسّس ما يزعجك، تعلّم عن عيوبك وكيف تعالجها بما تستطيع إليه سبيلاً، قوّم نفسك، تقبل ذاتك مهما ساءت أفعالك، فتقبُّل العيوب باب لتفهُّمها وحلها من جذورها، والصفح كله- مع الذات ومع الناس- يزرع في قلبك السلام.

شغفك ليس بالضرورة أن يكون محل عملك، قد يكون شغفك في العالم أن تتحسس أشعة الشمس في الصباح، أن تداعب موجات البحر أصابعك، يلامس النسيم وجهك أو تشتم روائح الزهور، تجلس فوق العشب مع كتاب وتتكئ برأسك على كتف رفيق عمرك الذي اخترت، تتناولان فنجانين من القهوة الساخنة، أو أكواباً من الشاي، تظنان أن الأكواب تدفئ أيديكما، بينما الدفء ينبعث من ذاك العناق أمام نافذة خلفها يهطل الغيث بشدة، الندى يعانق أعيننا بمظهره وأيدينا تتلهف العناق هرباً من البرد وهرباً من اغتراب القلب وآهاته في البعاد، وقد تستمتع بليل طويل وأغنية بلحن عريق أو حتى “هيب هوب” وبحر وشاطئ وقمر منير ووحدتك وأنت، تأنس بالوحدة، تعتزل بها كل ما طال قلبك من الأذى، قد يكون شغفك أن تكون أنت الحقيقي لا مستنسخاً يسير مع الموجة مسلوباً عقله مسلوباً كينونته. خالف الموج، لا تخف، سيدفعك الموج للشطآن.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال مقالاتكم عبر هذا البريد الإلكتروني: [email protected]



*****************************
شكرا لكم لمتابعتنا ونعدكم دائما بتقديم كل ما هو افضل .. ونقل الاخبار من كافة المصادر الاخبارية وتسهيل قراءتها لكم. لا تنسوا عمل لايك لصفحتنا على الفيسبوك ومتابعة آخر الاخبار على تويتر. مع تحيات اسرة;
موقع مصر الجديدة الإخباري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

+ 6 = 7