مصر الجديدة - الكاتب الصحفي بلال فضل
الكاتب الصحفي بلال فضل

بلال فضل يكتب: كيف وصلنا إلى سد النهضة؟

تعال نلعب لعبة حزينة، اقرأ السطور التالية التي يكتبها الدكتور بطرس بطرس غالي في الجزء الثاني من يومياته “بين القدس والنيل”، ثم حاول أن تتخيل التاريخ الذي حدثت فيه وقائع هذه السطور:

“عصام منتصر مدير معهد التخطيط في داكار يُعِدُّ دراسة عن حوض النيل، لكن وزارة الري المصرية تعادي هذا المشروع، فهي لا تقدم له أية مساعدة ولا أية معلومات يحتاجها، أشعر بالإحباط الشديد، لأن مشكلة المياه لا تهم لا الحكومة ولا الرأي العام المصري ولا حتى الفنيين في وزارة الري الذين لا يهتمون إلا بالمشاكل الآتية ويعجزون عن التخطيط للمستقبل. الدول الإفريقية بما فيها السودان ترتاب في المشاريع المصرية الخاصة بحوض نهر النيل، لكن المسئولية لا تقع عليهم بالكامل. فقد بنينا السد العالي دون استشارتهم، إننا نعتمد على الإتفاقيات والمعاهدات التي وقِّعت عندما كانت كل هذه الدول خاضعة للإستعمار القديم، وفي الوقت نفسه فإننا نرفض تعديل هذه الإتفاقيات وجعلها تساير الأوضاع الجديدة في تلك الدول. إننا ما نزال نعتقد بأن النيل ومصر هما شيئ واحد”.
هل تخيلت تاريخ كتابة الفقرة؟ طيب، هل توقعت أنها كتبت بتاريخ 29 ديسمبر 1983 في وقت لم يكن يتوقع أحد، حتى الذي كتبها أنه في خلال عشرين عاما، سيصبح الكابوس الذي حذر منه، واقعا حزينا تعيشه مصر ومستقبلا مخيفا يتهددها؟
ما يحزنك أكثر أن الدكتور بطرس غالي بكل ما على تاريخه السياسي من مآخذ، لم يكن يكتب كلماته هذه ليفضفض مع نفسه مخفياً رؤيته عن رؤسائه، ففي يومياته التي يضمها كتابه (بين القدس والنيل) ستجد عشرات المواضع التي يروي فيها محاولاته، حين كان وزير دولة للشئون الخارجية في عهد مبارك، لإقناع كل من حوله بضرورة منح ملف نهر النيل الأولوية القصوى في السياسة الخارجية المصرية.
خذ عندك مثلا ما قاله في محاضرة ألقاها في 26 ديسمبر 1983 بأكاديمية ناصر العسكرية: “مشكلة السودان ودول حوض النيل يجب أن تكون محور سياستنا الخارجية. إنه لخطأ جسيم أن نهمل علاقتنا بهذه البلاد خصوصا أن مشكلة المياه ستزداد خطورة في السنوات المقبلة. من السهل أن نحشد الرأي العام المصري حول المشكلة الفلسطينية. لكن على العكس من ذلك فمن الصعب جدا أن نجعل الرأي العام المصري يهتم بثمان دول أفريقية نتقاسم معها مياه النيل، كما أنه من السهل جدا إقناع المصريين بأن نهر النيل هو جزء من تراثهم وأنه ملكهم، ولكننا بذلك ننسى أن منابع النيل ملك لستة دول أفريقية أخرى وأن الزراعة المصرية تعتمد تماما على مياه نهر النيل، كما ننسى أيضا أن دول المنبع وإن كانت لا تحتاج هذه المياه لزراعة أراضيها بعد، فإن الوضع سيتغير بسرعة شديدة بسبب الانفجار السكاني في تلك الدول”.
في 4 يناير 1983 كتب بطرس غالي في يومياته: “لقد أهملنا السودان طويلا، خصوصا جنوب السودان، ولو كنا قد اهتممنا بإقامة وحدة حقيقية بين القاهرة والخرطوم بدلا من تلك الوحدة التي لم تدم طويلا مع سوريا، لكنا قد أقمنا أكبر قوة قد تمتد من ساحل البحر المتوسط حتى قلب إفريقيا، وأنا لا أريد التقليل من أهمية المشاكل الحساسة التي كانت ستنشأ من جراء مثل تلك الوحدة لكن كانت ستنشأ دولة ذات أبعاد قارية مثل الهند والبرازيل والصين، فهذه الدول هي التي ستُهيمن في العقود القادمة”.
لم يكتف بطرس غالي بترك هذه الرؤية حبيسة يومياته، ففي يوليو 1983 طرح رؤيته هذه على اجتماع وزاري للجنة الشئون الخارجية في الحزب الوطني، ليكتشف أنها جاءت مخالفة لما طرحه وزير الخارجية (الفريق) كمال حسن على الذي رأى أن الأولوية المطلقة يجب أن تكون للعالم العربي، وكما يقول غالي معلقا بأسف: “فإنه لم يلحظ أحد من الحاضرين مطلقا وجود هذا الإختلاف التام في وجهتي نظر الوزيرين المسئولين عن سياسة مصر الخارجية. مصير مصر مرتبط تماما بالمأساة الفلسطينية التي تهز العالم العربي مثلما هو مرتبط بالقضايا الخاصة بالسودان ودول حوض النيل وإذا توافرت لدينا الإمكانات وبالأحرى لو توافرت لدينا الإرادة السياسية فستستطيع مصر أن تتواجد بقوة على الجبهتين معا وفي وقت واحد”، لكن مبارك ومن معه كما تعلم لم يلتفتوا لرؤية غالي، وفضلوا التواجد على جبهة الدول الخليجية بالتحديد، وجبهة الدول الأوروبية، لأنها مليئة بالمنح والمساعدات والقروض، على عكس جبهة إفريقيا المليئة بالمشاكل والفقر والأزمات، فلم ينُبنا في النهاية بسبب قصور الرؤية وغياب الإرادة السياسية، سوى خيبة الأمل على جميع الجبهات.
في 7 فبراير 1984 يروي بطرس غالي في يومياته، تفاصيل حضوره لإجتماع رسمي بين مبارك والنميري وكبار مساعديهما قائلا “حاولت بلا جدوى الإشارة إلى مشكلة حوض النيل، يبدو أن الجميع مقتنعون بأن نهر النيل هو نهر مصري سوداني فقط وأن كون النيل ينبع من خارج بلدينا لا يُغيِّر شيئا من حق مصر والسودان المطلق في استخدام مياهه لري زراعاتهما، كما بدا هناك اقتناع بأن دول المنبع تعتمد حتى الآن على مياه الأمطار، وليس لديها من الأسباب ما يدعو لتغيير نمط الري الذي تتبعه، هذا المفهوم يتسم بقصر النظر وهو مُحبط للغاية، كما أنه يُعرضنا لمخاطر شديدة جدا في المستقبل”. سيفسر لك حماس مبارك والنميري لهذه الرؤية الخاطئة أنها كانت الرؤية التي تتبناها أمريكا رسميا، ففي اجتماع حضره بطرس غالي مع سفيري أمريكا وبريطانيا بتاريخ 21 فبراير 1984، سخر السفيران اللذين تحدثا معه كصديق من هوسه بأزمة مياه النيل معتبرين أن ذلك “وسواس قهري أصاب بطرس الإفريقي فدول المنبع معتمدة على مياه الأمطار” ومؤكدين له أن إفريقيا لن يحدث فيها شيئ هام في العقود القريبة المقبلة باستثناء نشوب حروب قبلية واستمرار التخلف المزمن، وهي كما تلاحظ نفس الرؤية “المنيِّلة” التي اعتمدها مبارك لإدارة ملف النيل بطريقة أوصلتنا إلى النيلة التي نعيشها الآن.
….
مقتطفات من كتابة لي عن يوميات بطرس غالي نشرتها قبل ست سنوات في صحيفة “الشروق”، واليوميات نُشرت قبل ذلك بسنوات، وما كُتب عن خطايا السادات ومبارك في ملف التعامل مع أفريقيا وأثيوبيا كثير ومتعدد، لكن طبعا تلبيس التهمة ليناير أسهل، وطبعا زي ما كلنا عارفين “السيسي حلّها”.

*****************************
شكرا لكم لمتابعتنا ونعدكم دائما بتقديم كل ما هو افضل .. ونقل الاخبار من كافة المصادر الاخبارية وتسهيل قراءتها لكم. لا تنسوا عمل لايك لصفحتنا على الفيسبوك ومتابعة آخر الاخبار على تويتر. مع تحيات اسرة;
موقع مصر الجديدة الإخباري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

65 − 62 =