بصفتنا باحثين في مجال حقوق الإنسان نغطّي أماكن مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية والعراق واليمن، أمضينا سنوات نوثّق استخدام الحكومات القمعية القوة المُفرطة وغيرها من الانتهاكات لقمع المعارضة، بما في ذلك إطلاق النار على المتظاهرين السلميين وضرب المعارضين والنشطاء أو اعتقالهم.

رغم سجل حكومة الولايات المتحدة الحافل بالانتهاكات في الخارج، والذي وثّقناه أيضا، فقد أدانت، ولو بشيء من عدم الاتساق، الحملات القمعية التي تشنها الحكومات المستبدة، وأدلت بتصريحات علنية، أو أعربت عن قلقها في اجتماعات خاصة مع المسؤولين الحكوميين، أو علّقت المساعدات العسكرية، أو فرضت عقوبات محددة الاهداف على أبرز المسؤولين عن تلك الانتهاكات.

لكن مصداقية تلك الإجراءات، أو بالأحرى ما تبقى منها، تبخّر اليوم. على مدى الأسابيع الثلاثة الماضية، استخدمت الشرطة في أرجاء الولايات المتحدة ضد المتظاهرين السلميين في الداخل نفس التكتيكات التي طالما أدانتها الولايات المتحدة في الخارج. مهما كانت الاختلافات التي تحاول الإدارة الحالية إبرازها، تضرّرت قدرة الولايات المتحدة على تعزيز احترام الحقوق في الخارج كثيرا.

بعد مقتل جورج فلويد في 25 مايو/أيار، اندلعت احتجاجات في الولايات الأمريكية الخمسين جميعها، في إدانة لهمجية الشرطة والعنصرية البنيوية. ردت الشرطة على العديد منها بالقوة المُفرطة والاعتداء، من ضرب للمتظاهرين واعتقالات جماعية أو باستخدام القوة العسكرية لردع الاحتجاجات.

نحقّق حاليا في حوالي 100 حادث منفصل والتي بحسب تقارير استخدمت فيها الشرطة ما يسمى بالأسلحة الأقل فتكا لتفريق المتظاهرين، بما في ذلك الغاز المُسيل للدموع، ورذاذ الفلفل، والقنابل الصاعقة، والرصاص المطاطي. في حالات عديدة، استخدمت الشرطة تكتيكات “المحاصرة” لحصر المتظاهرين في مكان مغلق، ثم اعتقالهم، غالبا باستخدام هذه الأسلحة.

قال العديد من المعتقلين إنهم احتُجزوا لساعات، بل لأكثر من يوم أحيانا، في ظروف مُكتظة وقذرة بدون حماية من فيروس “كورونا”. لم يُسمح لهم أيضا بإجراء مكالمة هاتفية، ونُقل الكثير منهم من منطقة إلى أخرى، مما جعل من المستحيل على عائلاتهم ومحاميهم معرفة مكان تواجدهم. عند الإفراج عنهم، تلقى العديد منهم استدعاءات للمثول أمام المحكمة لخرقهم حظر التجوال، وعرقلة حركة المرور، ومخالفات بسيطة أخرى.

كان العديد من الصحفيين من بين الذين تعرضوا للاعتداء أو الاعتقال أو المضايقات أثناء المظاهرات، وحدث ذلك على الهواء مباشرة أحيانا. في مينيابولس، أصابت الشرطة صحفية بما يعتقد أنه رصاصة مطاطية ما أفقدها البصر في إحدى عينيها بشكل دائم.

تعرّض مراقبون قانونيون من “نقابة المحامين الوطنية” للاعتداء بالغاز المسيل للدموع والاعتقال أثناء مراقبة المظاهرات في 12 مدينة على الأقل، رغم ارتدائهم قبعات خضراء فاقعة اللون وواضحة وعلامات أخرى لتحديد الهوية. في ساكرامنتو، أصيب أحد المراقبين برصاصة مطاطية في الوجه مما أحدث لديه ارتجاجا في الدماغ نُقل على إثره إلى المستشفى، بينما تعرض عدة مراقبين في ديترويت للضرب بالهراوات، واللكم، والغاز المسيل للدموع، ثم اعتُقلوا أثناء محاولتهم تسجيل أسماء المتظاهرين المعتقلين.

كما استُهدف المُسعفون الذين نُشروا في الشوارع لتقديم الرعاية الطبية الطارئة للجرحى في المظاهرات. في مدينة نيويورك، اعتدت الشرطة على مُسعف يوجد على خوذته صليب أحمر واضح، واعتقلته.

كما أخبرنا السلطات مرارا وتكرارا خلال اجتماعات في كينشاسا وبغداد وأماكن أخرى، لا ينبغي الزجّ بالمتظاهرين السلميين في السجن بسبب ممارستهم حقوقَهم الأساسية في حرية التعبير والتجمّع. القانون الدولي لحقوق الإنسان يحمي الصحفيين، والعاملين في المجال الطبي، والمراقبين القانونيين، والنشطاء الحقوقيين، ولا ينبغي استهدافهم بأي حال من الأحوال لمجرد قيامهم بعملهم.

الغاز المسيل للدموع، وهو مادة كيميائية قد تُسبّب إحساسا حارقا في العين وصعوبة في التنفس، والأسلحة الأخرى “الأقل فتكا”، ينبغي استخدامها عند الضرورة القصوى وبحسب مبادئ التناسب بموجب القانون الدولي.

على الشرطة استخدام الوسائل غير العنيفة قبل اللجوء إلى القوة وتجنّب استخدام القوة لتفريق المظاهرات غير العنيفة، بغضّ النظر عمّا إذا كانت السلطات تعتبر الاحتجاجات غير قانونية. لا ينبغي استخدام الأسلحة “الأقل فتكا” إلا عند الضرورة القصوى لتحقيق هدف قانوني ومشروع في إطار إنفاذ القانون، وينبغي أن تسبِق استخدامَها إنذاراتٌ واضحة.

في العراق، وثّقنا في أواخر 2019 استخدام قوات الأمن للقوة المفرطة ضد متظاهرين سلميين في معظم الأحيان، بما في ذلك باستهدافهم مباشرة بقنابل الغاز المسيل للدموع، مما تسبب في سقوط قتلى وجرحى، وتفكيك خيام المتظاهرين، في منتصف الليل أحيانا. كما اعتدت قوات الأمن مرارا وتكرارا على صحفيين وجرحت مُسعفين وهم يُقدمون المساعدة للمتظاهرين. حكومة الولايات المتحدة كانت تُدين هذا العنف باستمرار.

عندما تمسّك رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية بالسلطة بعد انتهاء فترة ولايته الدستورية، وثّقنا إطلاق قوات الأمن الذخيرة الحية والغاز المسيل للدموع على المتظاهرين الذين كانوا سلميين إلى حد كبير، مما أدى إلى مقتل حوالي 300 شخص واعتقال أكثر من ألفَي متظاهر وناشط بين 2015 و2018. أدانت الحكومة الأمريكية هذا القمع بشكل متكرر وفرضت عقوبات محددة الأهداف على كبار المسؤولين الحكوميين والأمنيين المتورّطين في الانتهاكات، بما في ذلك حرمانهم من تأشيرات السفر وتجميد الأصول.

على الولايات المتحدة أن تفي بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان، المعايير التي طالبت بها الإدارات الأمريكية الدول الأخرى، عندما يخرج الناس إلى الشوارع للتظاهر وفي الحياة اليومية. الاعتقالات الجماعية الأخيرة والقوة المفرطة التي استخدمتها الشرطة أثناء الاحتجاجات لم يستغربها الكثير من الأمريكيين، خاصة منهم السود والسُّمر الذين يعانون يوميا من نظام عنصري وعنيف لإنفاذ القانون.

لكن هناك أمل في أن تكون موجة الاحتجاجات والغضب العالمي وزيادة التدقيق في سلوك الشرطة، في الداخل وحول العالم، حافزا للقيام بإصلاحات ذات مغزى.

هناك حاجة إلى تغييرات أساسية ومنهجية في أعمال الشرطة والسلامة العامة في جميع أنحاء الولايات المتحدة لضمان احترام الحقوق الأساسية للأمريكيين. تكتسي هذه التغييرات أيضا أهمية حاسمة إذا كانت حكومة الولايات المتحدة، بما في ذلك الإدارات المقبلة، تريد أن يكون لها أي مصداقية كمُدافع فعال عن الحقوق وسيادة القانون على الساحة الدولية.