الكاتب الصحفي إبراهيم نوار

إبراهيم نوار يكتب: العقد “الإجتماعي” بين الحكومة والصندوق مذلة للناس

قرأت مذكرة صندوق النقد الدولي عن نتائج المراجعة الرابعة للقرض الذي تحصل عليه مصر، فأصابتني حالة من القرف والغضب على ما آل إليه حال هذا البلد العظيم، الذي ننتمي إليه روحا ووجدانا وقلبا وعقلا وجسدا. مذكرة الصندوق شهادة دامغة بسقوط السياسة والسياسيين و مؤسسات صنع القرار في مصر.

كل ما يحدث على المسرح السياسي تهريج وهزل، تقوم به شخصيات باهتة لا قيمة لها. الصندوق هو الذي يصنع السياسة، هو الذي يقترح القوانين. ببساطة الصندوق هو صاحب القرار. دعك من الهزل والتمثيليات والمؤتمرات والتصريحات، فالصندوق هو البطل، هو الممسك بكل الخيوط، هو الذي يلعب بالعرائس على المسرح الباهت الكئيب.

– الصندوق يطلب إلغاء دعم الطاقة. سمعا وطاعة، فيتم رفع الأسعار على عجل فوق طاقة الناس.

– الصندوق يطلب تقليص دعم السلع الغذائية، فيتولي اللواء الركن وزير التموين تنفيذ مقصلة بطاقات التموين.

– الصندوق يطلب تخفيض أعداد العاملين. سمعا وطاعة، فيصدر قانون الخدمة المدنية.

– الصندوق يطلب تقليل حصة الأجور من الدخل القومي. سمعا وطاعة، فيتم وقف التعيينات وتجميد الأجور والمرتبات.

– الصندوق يطلب تصفية الشركات المملوكة للدولة. سمعا وطاعة، فيتم استقدام صبية جهلة يعبثون بمدخرات أجيال من المصريين.

– الصندوق يطلب وضع قانون جديد للبنوك و يشترك في صياغته. سمعا وطاعة.

– الصندوق يطلب وضع قانون جديد للمشتريات الحكومية والعطاءات والمناقصات. سمعا وطاعة.

– الصندوق يطلب تعديل نظام تخصيص الأراضي للإستثمار. سمعا وطاعة.

– الصندوق يطلب تعديل قانون الشركات. سمعا وطاعة.

-الصندوق يطلب تعديل قانون المنافسة. سمعا وطاعة.

– الصندوق يطلب إعادة تنظيم شركات قطاع البترول والغاز وعلى رأسها الشركات القابضة. سمعا وطاعة.

وغير ذلك الكثير والكثير من التفاصيل. الصندوق هو الحاكم الفعلي لمصر، وما الحكومة إلا الجهاز التنفيذي الذي يتولى طبخ تعليمات الصندوق وصياغتها في قوانين محلية تصدر بالإشارة، وتقام لها للإحتفالات. ما ينقصنا هو أن يتولى الصندوق مباركة احتفالات الزواج وتوثيق عقود الطلاق.

الحكومة تعهدت برفع أسعار الوقود بحلول 15 يونيو إلى ما يعادل 100% مما يسمى بسعر التكلفة cost recovery price ، وتعهدت ببيع حصص في أربع شركات على الأقل قبل نهاية السنة المالية. وتعهدت بتغيير نظام العطاءات والمناقصات للشركات المملوكة للدولة، وتعهدت بتنفيذ كافة التزاماتها التي تأخرت عن مواعيدها المحددة سابقا. كل ذلك بحلول 15 يونيو وقبل نهاية السنة المالية، بما في ذلك إنشاء جهاز مستقل لتنظيم النقل، ووضع نظام لتسعير الوقود كل ثلاثة أشهر وإصلاح بنك الاستثمار القومي وتحديد اختصاصاته.

ومع أن مذكرة الصندوق تضمنت مديحا للحكومة، طبعا لإخلاصها في تنفيذ السياسات المطلوبة، فإنه حذر من كثير من المخاطر، وعلى رأسها إنفلات معدل التضخم، وزيادة أعباء المديونية، واضطراب أسعار الصرف. وحذر الصندوق من خطورة زيادة الاعتماد على التمويل بقروض قصيرة الأجل والسحب على المكشوف لصالح الحكومة وأجهزتها عن طريق البنك المركزي.

وجاء في المذكرة، أنه حتى بعد انتهاء البرنامج المتفق عليه، سيكون حجم الدين العام كبيرا ومصدر تهديد للاقتصاد، حتى بافتراض نجاح الحكومة في تخفيضه إلى 86% من الناتج المحلي، لأن المتوسط في الدول الشبيهة بمصر يبلغ 50% فقط. كما حذر الصندوق من استمرار زيادة فجوة التمويل، وتوقع ان تبلغ الفجوة 36% مقارنة ب 10% في الدول الشبيهة بمصر، وحذر من ارتفاع عبء الديون بالعملات الأجنبية، ومن خطورة زيادة الإقتراض بواسطة هيئات وأجهزة تابعة للدولة بضمان الحكومة.

وطبقا لتعهدات الحكومة لصندوق النقد الدولي، فقد رفعت الحكومة أسعار الكهرباء بنسبة 30% في يوليو 2016، ثم بنسبة 40% في يوليو 2017، ثم بنسبة 26% في يوليو 2018، وتعتزم زيادة الأسعار من جديد حتى يتعادل سعر البيع للمستهلك مع سعر التكلفة (وهذه حكاية أخرى تتعلق بكيفية حساب التكلفة في شركات احتكارية) بحيث يتم فصل أسعار الكهرباء عن ميزانية الدولة نهائيا في السنة السنة المالية 2020/2021.

وعلى المنوال نفسه رفعت الدولة أسعار الوقود ومشتقاته (باستثناء وقود المخابز ومحطات توليد الكهرباء) على أن يتم إخراج هذه الأسعار من ميزانية الدولة نهائيا مع الميزانية العامة الجديدة في أول يوليو من العام الحالي.

الدولة ما تزال تقترض، وسوف تستمر في الإقتراض، لأن فجوة التمويل تتسع ولا تضيق. وبما أن القروض لن تكفى، فستتوسع الدولة في الجباية، ولأن القروض وحصيلة الجباية لن تكفى لتمويل الفساد ومشاريع الأبهة المظهرية، فسوف تبيع الدولة إمتيازات وحقوق للأجانب على منافع ومشروعات في مصر، ولأن كل ذلك لن يكفي فسوف تطلب الدولة من المواطنين أن يتضامنوا مع بعضهم البعض لتبادل المنافع والخدمات!!!

ببساطة فإن الحكومة تحكم بمقتضى “عقد اجتماعي” بينها وبين الصندوق، يسمح لها بأن تمارس سياسة إذلال الناس وتنفيذ ما يطلب منها، في مقابل الدعم والتأييد وحمايتها من غضب الناس. الناس لا أهمية لها، طالما أن الصندوق والقوى الحاكمة فيه تدعم الحكومة وتصدر لها بيانات التأييد. ولماذا لا.. وقد حصلت وتحصل تلك القوى على أكثر مما تريد بمجرد الإشارة.

*****************************
شكرا لكم لمتابعتنا ونعدكم دائما بتقديم كل ما هو افضل .. ونقل الاخبار من كافة المصادر الاخبارية وتسهيل قراءتها لكم. لا تنسوا عمل لايك لصفحتنا على الفيسبوك ومتابعة آخر الاخبار على تويتر. مع تحيات اسرة;
موقع مصر الجديدة الإخباري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

× 4 = 8